الزركشي
575
البحر المحيط في أصول الفقه
واحد فلأنه غير مأمور بما في نفس الأمر بل بما أدى إليه اجتهاده وإن كان المراد به في نظر المجتهد فكذلك أيضا لأن مثل هذا القول إذا كان له الحكم المؤدي إليه اجتهاده دليل ثم يقول إذا صح حديث أقوى مما عندي فذلك مذهبي فخذوا به واتركوا قولي فكيف يصح هذا مع عدم المعارض قال ابن الصلاح وقد عمل بهذا جمع من الأصحاب كالبويطي والداركي وغيرهما من الأصحاب وليس هذا بالهين فليس كل فقيه يسوغ أن يستقل بالعمل بما يراه حجة من المذهب وقد عمل أبو الوليد بن الجارود بحديث تركه الشافعي وأجاب عنه وهو حديث أفطر الحاجم والمحجوم وعن ابن خزيمة أنه قيل له هل تعرف سنة للرسول في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتابه قال لا . قال أبو عمرو وعند هذا نقول إن كان فيه آلات الاجتهاد مطلقا أو في ذلك الباب أو في تلك المسألة كان له الاستقلال بالعمل بذلك الحديث وإن لم تكتمل آلته ووجد في قلبه حزازة من الحديث ولم يجد له معارضا بعد البحث فإن كان قد عمل بذلك الحديث إمام مستقل فله التمذهب به ويكون ذلك عذرا له في ترك قول إمامه وقال أبو زكريا النووي إنما يكون هذا لمن له رتبة الاجتهاد في المذهب أو قريب منه وشرطه أن يغلب على ظنه أن الشافعي لم يقف على هذا الحديث أو لم يعلم صحته وهذا إنما يكون بعد مطالعة كتب الشافعي كلها ونحوها من كتب أصحاب الآخذين عنه وهذا شرط صعب قل من يتصف به . وقال ابن الزملكاني إن كانت له قوة للاستنباط لمعرفته بالقواعد وكيفية استثمار الأحكام من الأدلة الشرعية ثم استقل بالمنقول بحيث عرف ما في المسألة من إجماع أو اختلاف وجمع الأحاديث التي فيها والأدلة ورجحان العمل ببعضها فهذا هو المجتهد في الجزئي والمتجه أنه يجب عليه العمل بما قام عنده على الدليل ولا يسوغ له التقليد . وإذا تأمل الباحث عن حال الأئمة المنقول أقاويلهم وعدوا من أهل الاجتهاد ثم أنهم إنما عدوا لذلك لاستجماعهم شروط الاجتهاد الكلية المشتركة بين جميع المسائل وأحاطوا بأدلة جملة غالب من الأحكام وقد علم من حال جمع منهم